
بقلم – جاسم الجيزاني
لم تعد التهديدات الأمريكية الموجهة إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية حدثًا استثنائيًا أو طارئًا في المشهد السياسي الدولي، بل تحولت إلى خطاب متكرر يفتقد عنصر المفاجأة، ويعكس في جوهره حالة ارتباك استراتيجي أكثر مما يعكس قدرة حقيقية على الفعل. فمنذ سنوات، تلوّح واشنطن بالقوة، لكنها تتراجع عند لحظة القرار، مدركةً أن المواجهة مع إيران ليست نزهة عسكرية، ولا يمكن التحكم بتداعياتها. برأيي، إن التهديد الأمريكي لا ينطلق من موقع قوة مطلقة، بل من قلق متزايد إزاء صعود إيران كقوة إقليمية فاعلة، استطاعت أن تفرض معادلة ردع حقيقية، وأن تثبت أن زمن الضربات المجانية قد انتهى. الولايات المتحدة تدرك جيدًا أن أي ضربة عسكرية ضد إيران لن تكون محدودة، ولن تبقى داخل إطار “الرسالة التأديبية”، بل ستفتح أبواب المنطقة كلها على احتمالات خطيرة. إيران اليوم ليست الدولة التي يمكن محاصرتها أو كسر إرادتها بضربة جوية أو عقوبات اقتصادية. لقد بنت، خلال عقود من المواجهة، قوة عسكرية قائمة على مبدأ الردع الذكي لا الاستعراض، وعلى تنويع أدوات الرد من الصواريخ الدقيقة إلى الطائرات المسيّرة، ومن القدرة الدفاعية إلى إدارة الصراع غير المباشر. وهذه المنظومة تجعل أي تفكير أمريكي بالهجوم محفوفًا بكلفة باهظة سياسيًا وعسكريًا. ما يغفله صانع القرار الأمريكي، أو يتغافل عنه، هو أن أي اعتداء على إيران سيمنحها شرعية أقوى داخليًا وخارجيًا، وسيحوّلها من طرف مُستهدَف إلى لاعب يمتلك حق الرد المفتوح. كما أن واشنطن، المنهكة من حروبها السابقة، لم تعد تملك ترف الدخول في مواجهة طويلة الأمد، خصوصًا في ظل تراجع نفوذها الدولي وصعود قوى عالمية لا تشاركها عداءها المطلق لطهران. من وجهة نظري، فإن إيران لا تبحث عن حرب، لكنها أيضًا لا تخشاها. فهي تتعامل مع التهديدات الأمريكية بعقل بارد، وتفصل بين الضجيج الإعلامي والقرار العسكري الحقيقي، وتراهن على أن ميزان الردع القائم كفيل بمنع واشنطن من تجاوز الخطوط الحمراء. خلاصة القول، إن التهديد الأمريكي لإيران ليس دليل قوة، بل اعتراف غير مباشر بأن إيران نجحت في فرض نفسها كرقم صعب في معادلة الإقليم. وبينما تلوّح واشنطن بالقوة، تواصل طهران بناء عناصر الردع، واضعة خصومها أمام حقيقة واحدة: كلفة الحرب أعلى بكثير من أوهام الانتصار.
إرسال تعليق