
ناجي الغزي/كاتب وسياسي
لم تكن جولة المحادثات التي عُقدت في مسقط بين إيران والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي روتيني، بل بدت أقرب إلى اختبار أعصاب استراتيجي يُدار على حافة التصعيد. فالمفاوضات، رغم وصفها بالإيجابية من قبل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، جرت في مناخ مشحون بالرسائل العسكرية والتحذيرات المتبادلة.
الأجواء داخل قاعة المفاوضات بدت محسوبة بدقة، هدوء في اللغة، لكن توتر في الخلفية. طهران ركزت على سردية مفادها أن الحوار يقتصر على الملف النووي فقط، رافضة إدراج برنامج الصواريخ الباليستية أو النفوذ الإقليمي ضمن الأجندة. هذا الموقف يعكس تمسك إيران بما تعتبره (خطوطاً حمراء سيادية)، ترى أنها جزء من منظومة الردع لا أوراقاً تفاوضية. في المقابل، لم تُسقط واشنطن الخيار العسكري من حساباتها. وحسب تصريحات نائب الرئيس الأمريكي "جي دي فانس" التي شدد على أن منع إيران من امتلاك سلاح نووي هدف ثابت، مع إبقاء "كل الخيارات مطروحة". هذا الخطاب ينسجم مع مقاربة أمريكية أوسع تسعى لربط النووي بالصواريخ والنفوذ الإقليمي، معتبرة أن أي اتفاق جزئي سيترك أدوات الضغط الإيرانية خارج القيود. الوساطة العُمانية بقيادة وزير الخارجية بدر البوسعيدي لعبت دوراً محورياً في ضبط الإيقاع، حيث أكد أن المباحثات ضرورية لتوضيح وجهات النظر وتحديد مجالات التقدم الممكنة. مسقط هنا لم تكن مجرد موقع جغرافي، بل مساحة سياسية لخفض التوتر وإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة. لكن خلف الطاولة، ظل المشهد العسكري حاضراً. التحركات البحرية الأمريكية، واختبارات الصواريخ الإيرانية، والتنسيق المستمر بين إسرائيل وواشنطن، كلها عناصر تشير إلى أن التفاوض يجري تحت مظلة ردع متبادل. هذه الازدواجية - دبلوماسية في القاعة وتصعيد في الميدان، تجعل من المفاوضات أداة لإدارة الأزمة لا لحلها. التوقعات في الأوساط السياسية تميل إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يستخدم التفاوض كمرحلة اختبار، وليس كمسار نهائي. "فالعقلية الترامبية" تقوم على إبقاء الضغط قائماً حتى اللحظة الأخيرة، مع الاستعداد للانتقال من الدبلوماسية إلى القوة إذا اعتُبر أن المسار لم يحقق الأهداف المطلوبة. من جهة أخرى، تدير طهران مفارقة دقيقة، التفاوض لتخفيف خطر الضربة، مع الاستمرار في رسائل الردع الصاروخي. هذا التوازن يعكس إدراكاً بأن البديل عن الحوار قد يكون مواجهة لا يمكن احتواؤها، خصوصاً في ظل وضع داخلي حساس وضغوط اقتصادية خانقة. في المحصلة، ما يجري في مسقط هو "تفاوض ضرورة" بامتياز. لا أحد يتوقع اتفاقاً سريعاً، ولا انهياراً فورياً. الهدف المرحلي هو كسب الوقت، تقليل سوء الحساب، ومنع الانزلاق إلى حرب واسعة. لكن الخطر يبقى قائما، أي خطأ تقدير أو حادث ميداني قد يحوّل مسار الحوار إلى مسار صدام. المنطقة اليوم لا تعيش سلاماً، لكنها أيضاً لم تدخل الحرب. إنها تقف في المسافة الرمادية بينهما، حيث تُدار الهاوية بالحذر، وتصبح الدبلوماسية امتداداً للردع، لا بديلاً عنه.
إرسال تعليق