
بقلم - جاسم الجيزاني
حسابات القوة وخطأ التقدير الأمريكي
في خصمّ التصعيد المتكرر بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، يطفو إلى السطح سؤال جوهري: هل أدركت واشنطن طبيعة الخصم الذي تواجهه؟ أم أن الحسابات السياسية الضيقة طغت على القراءة الاستراتيجية المتأنية؟
إن أي ضربة أمريكية ضد إيران لا يمكن التعامل معها بوصفها استعراض قوة عابر، بل هي مقامرة محفوفة بالمخاطر. فإيران ليست دولة معزولة أو ضعيفة البنية العسكرية، وليست فنزويلا يمكن الضغط عليها بالعقوبات والتهديدات دون ردّ فعل مؤثر. إيران تمتلك منظومة عسكرية متكاملة، تشمل قدرات صاروخية بالستية متطورة، وطائرات مسيّرة أثبتت حضورها في ساحات متعددة، إضافة إلى شبكة دفاع جوي محلية الصنع، وقوة بحرية قادرة على التأثير في أمن الممرات الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
الردّ الإيراني، في حال وقوع اعتداء مباشر، لن يكون شكلياً أو رمزياً. العقيدة العسكرية الإيرانية تقوم على مبدأ “الردع المتدرّج” و”المواجهة غير المتكافئة”، ما يعني أن أي استهداف سيقابله ردّ محسوب بدقة، لكنه مؤلم وموجع استراتيجياً. فطهران لا تعتمد فقط على قوتها التقليدية، بل على عمقها الإقليمي وتحالفاتها التي تمنحها أوراق ضغط متعددة.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي انتهج سياسة “الضغط الأقصى”، وجد نفسه في أكثر من محطة أمام معادلة معقدة: التصعيد مع إيران لا يشبه أي مواجهة أخرى. فإيران دولة ذات خبرة طويلة في إدارة الأزمات، وقد طوّرت قدراتها تحت وطأة العقوبات، حتى أصبحت الصناعات العسكرية المحلية جزءاً من هويتها السيادية.
إن التقليل من شأن إيران خطأ استراتيجي جسيم. فالتوازن في المنطقة لا يُقاس بعدد حاملات الطائرات فقط، بل بقدرة الدولة على الصمود، وإدارة المعركة النفسية، وتحويل الضغوط إلى عناصر قوة داخلية. وقد أثبتت التجارب أن طهران تجيد هذا النوع من الصراعات المركبة.
في المحصلة، أي مواجهة مباشرة لن تكون نزهة عسكرية لواشنطن، بل ستفتح أبواباً واسعة لعدم الاستقرار في منطقة تعيش أصلاً على حافة الاشتعال. وإيران، بما تملكه من قدرات وإرادة سياسية، ليست لقمة سائغة، بل لاعب إقليمي ثقيل الوزن يعرف متى يردّ وكيف يردّ.
إنها معادلة قوة لا تقبل الاستخفاف، ورسالة واضحة مفادها أن الشرق الأوسط ليس ساحة اختبار لسياسات متسرعة أو حسابات انتخابية ضيقة.
إرسال تعليق