
نعمت عباس
تشهد منظومة كرة القدم في الفترة الأخيرة حالة من الجدل الواسع حول مستوى التحكيم، بعد أن أثّرت بعض القرارات التحكيمية في مجريات ونتائج المباريات، الأمر الذي أثار استياء مختلف أطراف اللعبة من إعلاميين، ومدربين، ولاعبين، وجماهير. وقد تباينت آراء المختصين في تقييم هذه الحالة، في ظل غياب برامج تحليلية متخصصة، مثل برنامج «أنت الحكم»، عن المشهد الإعلامي المرئي، ما ساهم في تعقيد الصورة وغياب التوضيح الفني الموضوعي. ورغم هذا الجدل المحلي، يواصل الحكام العراقيون تقديم مستويات متميزة في المشاركات الخارجية، ولا سيما في البطولات الآسيوية والخليجية، حيث يتألقون ويبدعون ويؤكدون مكانتهم كخير سفراء للتحكيم العراقي. هذه السمعة لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج سنوات طويلة من النجاح والتميز، حتى في فترات لم يكن فيها العراق مشاركاً في بطولات الخليج، إذ كانت لجان التحكيم الخليجية تستعين بالحكم العراقي لما يمتلكه من كفاءة عالية ونزاهة مشهودة.
ويكفي التذكير بأن الاتحاد الإماراتي لكرة القدم سبق أن استعان بالحكم العراقي الراحل صبحي أديب لإدارة مباريات الدوري الإماراتي، تقديراً لإمكاناته الفنية الكبيرة وشخصيته التحكيمية المتميزة. كما برزت أسماء عراقية لامعة في الملاعب الخليجية والآسيوية، مثل علاء عبد القادر، نجم عبود، محمد عرب، حازم حسين، مهند، لؤي صبحي وغيرهم، الذين نجحوا في إدارة مباريات صعبة وحاسمة، وتركوا بصمة واضحة بقراراتهم العادلة وأدائهم الهادئ.
اليوم، يتعرض الحكم المحلي إلى ضغوط نفسية كبيرة نتيجة سيل الانتقادات المتواصلة من مختلف الجهات، وهو ما انعكس سلباً على أدائه في بعض المباريات المحلية. هذه الضغوط لا تخدم تطور اللعبة، بل تسهم في تعميق أزمة الثقة، وتضع الحكم في دائرة الشك بدل دعمه وتمكينه.
إن معالجة هذه الإشكالية تتطلب وقفة جادة من جميع أطراف المنظومة الكروية، تبدأ بتخفيف حدة الانتقادات، والابتعاد عن القيل والقال، وترك المجال للجنة الحكام للقيام بواجبها دون تدخلات أو تصعيد إعلامي غير مسؤول. فالأزمة في جوهرها هي أزمة ثقة واجتهادات مشتركة، ساهم الجميع – بقصد أو دون قصد – في استمرارها. يبقى الأمل قائماً في استعادة الصافرة العراقية لمكانتها الحقيقية، فالحكم العراقي يمتلك القدرة والخبرة لتجاوز هذه المرحلة، طالما أن النزاهة تظل صفة أصيلة متجذرة فيه، يشهد بها القريب والبعيد. ومع عودة الثقة والدعم، سيعود التحكيم العراقي إلى بريقه المعهود، خدمةً للعبة واحتراماً لتاريخٍ مشرّفٍ لا يمكن تجاهله.
والله من وراء القصد
إرسال تعليق