
نجم_المالكي
في رحاب الإسلام، حيث تتجلّى القيم الإلهية عدلاً ورحمةً وكرامةً للإنسان، يشرق اسم الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام كأحد أعظم تجلّيات هذا الدين الخالد. وفي مناسبة ولادته المباركة، نقف لا لنستذكر حدثاً تاريخياً فحسب، بل لنستحضر مدرسةً متكاملة في الإيمان والفكر والسلوك، مدرسةً ما زالت تمدّ الإنسانية بمعاني الحق والعدل إلى يومنا هذا.
وُلد الإمام علي عليه السلام في قلب الكعبة المشرّفة، في دلالةٍ رمزيةٍ بالغة العمق على الارتباط الوثيق بينه وبين التوحيد منذ اللحظة الأولى. فقد جاء إلى الدنيا في أقدس بقاع الأرض، وكأنّ الإسلام أراد أن يعلن منذ البدء أن لهذا المولود شأناً عظيماً في مسيرة الرسالة المحمدية. نشأ في كنف النبي محمد صلى الله عليه وآله، فكان تلميذه الأول، ووارث علمه، وأقرب الناس إلى روحه وفكره.
الإسلام، كما تجسّد في سيرة الإمام علي عليه السلام، لم يكن شعاراتٍ تُرفع، بل ممارسةً حيّة تتجلّى في الموقف والكلمة والعمل. كان مثال المسلم الكامل: إيمانٌ راسخ لا تزعزعه الشدائد، وعدلٌ لا يعرف المحاباة، وزهدٌ لا يعني الانسحاب من الحياة بل السيطرة على شهواتها. ولم يكن العدل عنده مبدأً نظرياً، بل منهج حكم وسلوك يومي، حتى قال كلمته الخالدة:
«والله لو أُعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملةٍ أسلبها جلب شعيرة ما فعلت».
تميّز الإمام علي عليه السلام بعلمٍ واسعٍ وفهمٍ عميقٍ للقرآن والإسلام، حتى عُرف بقول النبي صلى الله عليه وآله:
«أنا مدينة العلم وعلي بابها».
ولم يكن علمه تراكماً معرفياً فحسب، بل بصيرةً تهدي، وحكمةً تعالج مشكلات الإنسان والمجتمع. وتتجلّى هذه الحكمة في كلماته التي خُلّدت في نهج البلاغة، ذلك السفر العظيم الذي جمع بين عمق العقيدة، وبلاغة اللغة، ودقّة التحليل السياسي والاجتماعي.
أما شجاعته، فكانت شجاعة الحق لا شجاعة البطش. وقف في ميادين القتال مدافعاً عن الإسلام في أحلك الظروف، لكنه في الوقت ذاته كان أرحم الناس بالضعفاء والمساكين. جمع بين قوة السيف حين يُفرض القتال، ولين القلب حين يكون العفو أقرب إلى الله. وهنا تتجلّى عظمة الإسلام في شخصيته: توازنٌ دقيق بين الحزم والرحمة، بين القوة والأخلاق.
الإمام علي عليه السلام هو صورة الإسلام الناطق، الذي يربط العبادة بالمسؤولية الاجتماعية، ويجعل التقوى أساساً للعمران لا للعزلة. كان يرى أن قيمة الإنسان بما يقدّمه من خير، لا بما يملكه من سلطة أو مال. ولذلك بقيت سيرته حيّة في ضمير الأحرار، يتعلّمون منها كيف يكون الإيمان موقفاً، وكيف يكون العدل رسالة.
وفي ذكرى ولادته المباركة، لا نكتفي بالاحتفاء بشخصيةٍ عظيمة من التاريخ، بل نجدد العهد مع القيم التي عاش من أجلها: الحق، والعدل، والكرامة، والوفاء للإسلام الأصيل.
سلامٌ على الإمام علي يوم وُلد، ويوم جاهد وصبر، ويوم استُشهد وهو في محراب العبادة، ويوم يُبعث حيّاً شاهداً على أن الإسلام، حين يُجسَّد في إنسان، يكون نوراً لا ينطفئ.
إرسال تعليق