
إحسان الموسوي
لم يكن قرار استضافة الاف من عناصر تنظيم داعش على الاراضي العراقية مجرد خطوة ادارية خاطئة بل يمثل منعطفا استراتيجيا خطيرا يضع الدولة امام سلسلة من المخاطر المركبة سياسيا وامنيا واقتصاديا واجتماعيا هذا القرار الذي جرى بطلب مباشر من محمد شياع السوداني لا يمكن فصله عن سوء تقدير عميق لطبيعة التنظيم ولا عن تجاهل فاضح لتجارب الدول التي دفعت ثمنا باهظا حين ظنت ان احتواء الارهاب ممكن عبر الاستضافة او الادارة البيروقراطية الحديث لا يدور عن افراد عاديين او مقاتلين هامشيين بل عن ما يقارب سبعة الاف عنصر اغلبهم من القيادات والكوادر العقائدية والتنظيمية وهذا يعني تلقائيا استقطاب مناصريهم وخلاياهم النائمة ومحاولة اعادة تنشيط شبكات الدعم والتمويل والتهريب داخل العراق وخارجه وجودهم المكثف في مكان واحد يحول العراق الى مركز جذب ارهابي جديد ويمنح التنظيم فرصة ذهبية لاعادة ترتيب صفوفه تحت مظلة انسانية وقانونية ملتبسة
العبء المالي وحده كاف لادانة القرار
الانفاق الشهري الذي يتجاوز ستة ملايين دولار لتأمين الاحتجاز والحراسة والخدمات اللوجستية ليس سوى رقم اولي قابل للتصاعد مع مرور الوقت هذا استنزاف مباشر لميزانية دولة تعاني اساسا من ازمات خدمات وبطالة وفقر وبنى تحتية متهالكة المفارقة ان هذا الانفاق لا يذهب لاعادة اعمار المدن المدمرة ولا لتعويض الضحايا بل للحفاظ على اخطر اعداء الدولة على قيد الحياة امنيا يمثل القرار قنبلة موقوتة اي محاولة تهريب او هروب او تمرد داخل مراكز الاحتجاز ستتحول الى كارثة وطنية كما ان وجود هذا العدد من القيادات يرفع احتمالات عمليات الخطف والابتزاز والمساومات السرية سواء عبر وسطاء محليين او جهات خارجية العراق بذلك يدخل طوعا في لعبة ضغط دولي حيث يمكن استخدام ملف الدواعش كورقة تفاوض او تهديد في اي خلاف سياسي او اقليمي الاخطر من ذلك هو المأزق القانوني والسياسي محاكمة هؤلاء وفق القانون العراقي وانزال عقوبة الاعدام بحقهم سيعرض البلاد لحملات ضغط وعقوبات وعزلة دولية تحت عناوين حقوق الانسان والمحاكمات العادلة اما التردد في الحسم او القبول بتسويات ونقل او اطلاق سراح تدريجي فسيشكل خيانة لدماء الضحايا ويقوض ثقة المجتمع بالدولة ومؤسساتها وفي الحالتين العراق هو الخاسر اجتماعيا يعيد القرار فتح جراح لم تلتئم بعد عوائل الشهداء والنازحين وسكان المدن التي دمرها داعش سيشعرون ان الدولة تكافئ الجلاد وتتجاهل الضحية هذا يولد نقمة صامتة قابلة للتحول الى احتجاجات او تطرف مضاد ويغذي خطاب الثأر والكراهية ويقوض اي مشروع مصالحة حقيقية استراتيجيا يضع القرار العراق في موقع الدولة التي تدير الارهاب بدل ان تحاربه وهذا يضرب سمعته الامنية ويضعف شراكاته ويجعله ساحة اختبار لسياسات دول اخرى تفضل تصدير مشاكلها بدلا من تحمل مسؤولياتها.. كان الاجدر بالحكومة الدفع باتجاه محاكم دولية خاصة او توزيع المسؤولية ضمن اطر قانونية واضحة لا ان يتحول العراق الى مخيم دائم لقيادات داعش الخلاصة ان ما جرى ليس خطأ عابرا بل قرار غبي بكل المقاييس الاستراتيجية أنا شخصا أرى انه رهان على النار داخل البيت الوطني وأن كل يوم يمر دون مراجعة شجاعة لهذا المسار يزيد كلفة التراجع ويقرب لحظة الانفجار وأن الدولة التي تحترم نفسها لا تستضيف جلاديها ولا تنفق على بقائهم ولا تقبل ان تكون رهينة لابتزاز ارهابي دولي مقنع .
إرسال تعليق