
ناجي الغزي/ كاتب وسياسي
لم تعد المنطقة تعيش في مساحة التهديدات الرمزية أو الاستعراضات العسكرية المعتادة. ما يجري الآن هو انتقال هادئ، ثقيل، لكنه حاسم، من مرحلة الضغط السياسي والعسكري إلى مرحلة إعادة تشكيل مسرح الصراع نفسه. المواجهة الكبرى لم تُعلن رسمياً، لكنها بدأت فعلياً، بصمت التحركات البحرية والجوية لا بضجيج البيانات. منذ لحظة مغادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منتدى دافوس، تغيّر إيقاع المشهد. التصريحات التي أُطلقت من على متن "إير فورس وان" لم تكن موجهة للإعلام بقدر ما كانت رسالة مشفّرة للخصوم والحلفاء معاً، القوة تتحرك، والخيارات تتسع. لكن السؤال الذي ظل معلقاً: هل نحن أمام ردع، أم أمام تمهيد لضربة؟
*التراكم العسكري: من الردع إلى الحرب*
ما نشاهده من تراكم عسكري كبير، متمثلاُ بحاملات طائرات، وأساطيل بحرية، وأسراب جوية، وبطاريات دفاع جوي، وخلايا عمليات، وانتشار غير مسبوق في إسرائيل والخليج والأردن وشرق المتوسط. من الصعب، وفق أي منطق عسكري كلاسيكي، وصف هذا كله بأنه (إجراء احترازي). الاجراء الاحترازي أو الاحتياط لا يُبنى بهذا العمق ولا بهذا الاتساع الجغرافي. ما تفعله واشنطن هو توسيع سقف القرار الى أقصاه، إبقاء خيار الضربة مفتوحاً، وخيار التراجع متاحاً، لكن من موقع الاستعداد الأقصى الذي يفرض معادلاته على الخصم.. غير أن هذه الجاهزية المكثفة، بدل أن تكون تعبيراً عن ثقة مطلقة، تكشف في عمقها هواجس استراتيجية من سيناريو محدد. حرب لا تُحسم سريعاً، ولا تُدار بأدوات نظيفة، ولا يمكن احتواؤها ضمن حدود جغرافية أو زمنية مضبوطة. حرب تنفلت من منطق الضربة المحدودة إلى مسار استنزاف مفتوح، حيث تتآكل القوة مع الزمن، وتتحول الهيمنة من أداة ردع إلى عبء استراتيجي. القلق الأميركي الجوهري لا يرتبط بقدرة واشنطن على تنفيذ الضربة الأولى أو إسقاط أهداف داخل إيران، بل بما يليها مباشرة، اليوم التالي للاشتعال. في تلك اللحظة، يتبدل مسرح العمليات من هجوم مُحكَم إلى فضاء مفتوح للفوضى المحسوبة، حيث تتحول القواعد العسكرية، والموانئ، ومنشآت الطاقة، وإسرائيل نفسها، إلى بنك أهداف واسع أمام صواريخ دقيقة وأسراب مسيّرات لا يمكن تحييدها كلياً، مهما بلغت كثافة منظومات الدفاع وتعقيدها. هنا تحديداً يكمن الخطر الاستراتيجي: أن تنجح الضربة، لكنها تُطلق سلسلة ردود لا يمكن ضبط إيقاعها ولا احتواء آثارها.
*إيران: من الدفاع إلى تعطيل ساحة القتال*
خلال الأشهر الماضية، تصرفت طهران على قاعدة أن الحرب قادمة لا محالة. أعادت نشر دفاعاتها الجوية، وسرّعت إنتاجها الصاروخي، لكن الأخطر كان في المجال غير المرئي، الحرب الإلكترونية. ما قامت به من تعطيل شبكات الاتصال، وشلّ الإنترنت الفضائي، وإرباك منظومات التوجيه لم يكن تفصيلاً تقنياً، بل ضربة استباقية في عمق العقيدة العسكرية الأمريكية التي تعتمد على التفوق المعلوماتي والاتصالي. حين تصبح (السماء عمياء)، تتحول القاذفات المتطورة إلى أدوات محدودة الفعالية. هنا بالضبط تبدّل الحساب الأمريكي. لم تعد الضربة السريعة مضمونة، ولا السيطرة اللاحقة مؤكدة. ومن هذه النقطة، دخل عامل جديد على خط المواجهة.
*الصين وروسيا: من الظل إلى قلب المعادلة*
الدعم الصيني والروسي لإيران لم يعد سياسياً أو دبلوماسياً فقط. ما تسرب عن وجود جسر جوي صيني عاجل، وما كُشف عن تقنيات روسية متقدمة في الحرب الإلكترونية، يعني أن طهران لم تعد تقاتل وحدها. الصين لا ترى في إيران مجرد حليف، بل ركيزة في أمن الطاقة وكسر الطوق الأمريكي. وأن سقوط إيران، أو إخضاعها للهيمنة الامريكية، يعني اختلالاً استراتيجياً يمس بكين مباشرة. أما روسيا، فهي تخوض أصلاً حرباً مفتوحة مع الغرب، وتدرك أن أي هزيمة إيرانية ستُترجم ضغطاً مضاعفاً عليها لاحقاً، لهذا كان القرار واضحاً: الدعم هذه المرة نوعي، لا شكلي. ودعم يعطّل الأقمار، يربك الاتصالات، ويقلّص فجوة التفوق الغربي. وهذا الدعم رغم أنه لا يُعلن رسمياً، لكنه يُقرأ بسهولة في الميدان.
*العالم على حافة التحول*
لسنا أمام أزمة عابرة، ولا أمام جولة تصعيد تقليدية. نحن أمام اختبار لإرادة القوى الكبرى، وهناك عدة أسئلة يمكن طرحها: هل تستطيع واشنطن فرض معادلة بالقوة دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة؟ وهل تنجح إيران في تحويل الصمود إلى ردع؟ وهل يكتفي الشرق (الصين وروسيا) بالدعم غير المباشر، أم يذهب أبعد إذا انفجرت المواجهة؟ المؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة. مرحلة لا تُحسم فيها الأمور بالتصريحات، بل بما لا يُقال ولا يُعلن ولا يُرى إلا عند أول صدام مباشر. المواجهة الكبرى لم تُعلن… لكنها بدأت. وما سيُكشف في ساحات القتال قد يكون أخطر بكثير مما نعرفه الآن.
إرسال تعليق