
ناجي الغزي/ كاتب وسياسي
أعلنت الحكومة العراقية في كانون الثاني/يناير 2026 استلام دفعة أولى من عناصر تنظيم داعش من السجون الواقعة في شمال شرق سوريا، بالتنسيق مع التحالف الدولي. ورغم أن الخطوة قُدّمت بوصفها إجراءً أمنياً ضرورياً، فإنها أثارت تساؤلات جوهرية تتعلق بالسيادة الوطنية، والشرعية القانونية، والمخاطر الأمنية المستقبلية، خاصة مع تأكيد البيان الحكومي أن المعتقلين لا يقتصرون على حملة الجنسية العراقية.
*إشكالية الجنسيات الأجنبية*
أقرّ البيان الحكومي بأن المعتقلين الذين سيُنقلون إلى العراق ينتمون إلى جنسيات متعددة، وسيُودَعون في مؤسسات وزارة العدل، وهو ما يثير إشكالية قانونية وسيادية واضحة. فالعراق كان قد أعلن سابقاً رفضه استقبال إرهابيين أجانب لم يرتكبوا جرائم داخل أراضيه، استناداً إلى مبدأ أن المسؤولية الجنائية تقع على عاتق دولهم الأصلية.
غير أن البيان الأخير تجاهل هذا الموقف، ولم يحدّد معايير الاستلام أو نطاق المسؤولية القضائية، سواء من حيث حصرها بمن ارتكبوا جرائم داخل العراق أو توسيعها لتشمل جميع المصنّفين كدواعش. هذا الغموض يفتح الباب أمام احتمال تحوّل العراق إلى ((مركز احتجاز للإرهابيين الأجانب))، بما يحمله ذلك من تبعات سيادية وقانونية وأمنية.
*تجربة الفرنسيين… والاستثناء الذي لا يُعمم*
صحيح أن العراق سبق أن حاكم عناصر داعش أجانب، مثل الفرنسيين، لكن هؤلاء ارتكبوا جرائم موثقة على الأراضي العراقية، وخضعوا لمحاكمات أصولية وفق قانون مكافحة الإرهاب. غير أن تعميم هذه التجربة على آلاف المعتقلين من جنسيات مختلفة، دون تدقيق فردي مسبق، يفتح الباب أمام: تحميل العراق عبئاً أمنياً وقانونياً واقتصادياً، وتوريطه في نزاعات دبلوماسية مستقبلية، ومطالبات دولية بتسليم رعاياها بعد وصولهم إلى الأراضي العراقية. أي أن العراق قد يتحول من ((دولة متضررة من الإرهاب إلى مخزن دولي لمخلفات الإرهاب)).
*السياق السياسي والأمني للقرار*
جاء إعلان الحكومة العراقية بشأن استلام دفعة أولى من معتقلي تنظيم داعش من السجون الواقعة في شمال شرق سوريا في سياق سياسي وأمني بالغ الحساسية، تميّز باختلال واضح في إدارة الخطاب السيادي. فقد سبقت القيادة الأمريكية الوسطى الإعلان العراقي بالكشف عن نيتها نقل آلاف المعتقلين إلى العراق، من دون تنسيق إعلامي متزامن أو خطاب مشترك يعكس شراكة متوازنة بين الطرفين، ما يوحي بأن القرار اتُّخذ ضمن إطار دولي سابق على الإعلان الرسمي العراقي.
هذا الترتيب الزمني يعزز الانطباع بأن بغداد وُضعت في موقع المتلقي للقرار أكثر من كونها صاحبة المبادرة فيه، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول مستوى الاستقلالية في إدارة هذا الملف. كما يشير إلى وجود دوافع أمريكية محتملة، من بينها تفريغ السجون السورية عالية الخطورة، وتقليل العبء الأمني عن القوات الأمريكية، وتسريع إغلاق ملف معتقلي داعش من دون إلزام الدول الأصلية بتحمل مسؤولية رعاياها.
وفي هذا السياق، بدا بيان المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء أقرب إلى محاولة احتواء سياسي للتداعيات، منه إلى إعلان سيادي نابع من رؤية عراقية مستقلة. فالبيان لم يقدّم توضيحات كافية حول خلفيات القرار أو معاييره، بقدر ما كشف عن فجوة بين الخطاب الرسمي والوقائع السياسية والأمنية المحيطة بالملف، ما عزّز حالة الغموض وأبقى الأسئلة الجوهرية مفتوحة أمام الرأي العام.
*غياب التدقيق المسبق.. ومن يتحمل المسؤولية؟*
أخطر ما أغفله البيان الحكومي هو غياب أي إشارة إلى تدقيق مسبق في ملفات المعتقلين الأجانب قبل نقلهم إلى العراق، سواء من حيث مكان ارتكاب الجرائم، أو طبيعة المشاركة، أو مستوى الخطورة، أو الأدوار القيادية. ورغم امتلاك العراق خبرة استخبارية واسعة في تفكيك شبكات الإرهاب، جرى القبول بنقل جماعي قد يشمل متورطين بجرائم خارج الأراضي العراقية، أو عناصر لم تثبت إدانتهم، أو حتى أفراد يُستَخدمون كورقة تفاوض سياسي.
وتزداد خطورة المشهد بالنظر إلى أن هذه السجون انتقلت من إدارة قسد إلى سيطرة جماعات الجولاني، قبل أن يُراد تصدير محتواها إلى العراق، في مسار يعكس فشل الإدارة الأمنية في سوريا ومحاولة نقل كلفة الفوضى إلى بغداد. كما أن الدول التي امتنعت لسنوات عن استلام رعاياها من مخيم الهول وسجون قسد، تسعى اليوم إلى التخلص من عبء الإرهاب عبر إعادة توجيهه نحو العراق.
*لماذا تُبقي أمريكا على آلاف الدواعش أحياء ومحتجزين؟*
لو كانت الغاية قانونية أو إنسانية لكان المسار واضحاً: إجراء محاكمات دولية، وإعادتهم إلى دولهم، وتفكيك شبكاتهم إعلامياً وقانونياً. لكن ما حصل هو العكس تماماً: لا محاكمات حقيقية، ولا تسليم لدولهم، ولا تفكيك تنظيمي شامل، وإبقاؤهم في معسكرات وسجون هشّة. وهذا يقود إلى استنتاج منطقي: داعش تحوّل من (عدو إلى أداة ضغط وورقة جيوسياسية).
*لماذا نقلهم إلى العراق تحديداً؟*
العراق ليس دولة مستقرة سيادياً بشكل كامل، وهو ساحة توازنات حساسة، بين واشنطن وطهران، وبين الدولة والفصائل، وبين المركز والأطراف، وبين الأمن والفوضى
وجود 7000 عنصر داعشي داخل العراق يعني: قنبلة أمنية موقوتة، وإمكانية خلق هروب مدروس في أي لحظة، وتبرير تدخل أمني أمريكي أوسع، وإعادة إنتاج ذريعة (مكافحة الإرهاب)
بعبارة أوضح: نقلهم إلى العراق = نقل الفوضى المحتملة إلى قلب الجغرافيا العراقية.
*الخطر المؤجل في السجون العراقية*
بحسب بيان وزارة الخارجية التركية، الذي نقله موقع "غازيت دوفار" التركي في ديسمبر 2024 ، عن وجود 200 امرأة تركية مرتبطة بتنظيم داعش، إلى جانب نحو 500 طفل من آباء أتراك انخرطوا في التنظيم. هذه الأرقام ليست مجرد معطيات إنسانية أو قانونية، بل تمثل معادلة أمنية معقّدة ذات أبعاد إقليمية خطيرة. وفي العودة الى عام 2013، أدت عملية الهروب الجماعي من سجن أبو غريب وبادوش إلى إعادة إنتاج قيادة داعش الميدانية، وكان الصف الأول من قيادات داعش هم خريجي سجني بوكا وأبو غريب وبادوش. هذا الحدث أثبت أن السجون لم تكن مجرد أماكن احتجاز، بل تحولت إلى حاضنات تنظيمية لإعادة إنتاج الإرهاب.
اليوم، يوجد في العراق ما يقارب 19 ألف عنصر مرتبط بتنظيم داعش والجماعات الإرهابية، إضافة إلى آلاف النساء والأطفال من عوائل التنظيم، بينهم أجانب من جنسيات مختلفة.
هذه الكتلة البشرية ليست خاملة، بل تمتلك شبكات اتصال داخلية وخارجية، وتحتفظ بذاكرة تنظيمية وخبرات قتالية، وتخضع لمحاولات مستمرة من داعش لإعادة التواصل معها، وتتلقى دعماً مالياً عبر ما يُعرف بالكفالات لعوائل السجناء.
*الخطر الحقيقي: ليس في السلاح… بل في الفكرة*
حتى وهم داخل جدران السجون، يشكّل هؤلاء خطراً استراتيجياً لأسباب جوهرية منها:
1. الأيديولوجيا: عادة الأيديولوجيا لم تُهزم، وهذا الفكر التكفيري ما زال حياً، ويُعاد إنتاجه داخل بيئات الاحتجاز.
2. الأطفال: أطفال داعش وهم الجيل القادم، يُربّون على رواية المظلومية والجهاد والانتقام، ما يخلق بذور تطرف مستقبلي.
3. السجون تتحول إلى مدارس تنظيمية: التجارب السابقة أثبتت أن الاحتجاز دون معالجة فكرية هو وصفة لإعادة التفريخ الإرهابي.
4. الخطر لا ينتهي عند الحدود العراقية: وجود عناصر أجنبية يجعل الملف ذا طابع دولي، وليس شأناً عراقياً صرفاً.
*ما معنى تحييد كل التحصينات الحدودية؟*
العراق أنفق سنوات من، الخنادق والأسلاك والكاميرات الحرارية والجدران الكونكريتية والحشد والجيش والحدود، وكل هذا كان لمنع تسرّب داعش من سوريا إلى العراق. لكن عندما تنقلهم أمريكا بالشاحنات والطائرات إلى داخل العراق، أنت لا تخترق الحدود وحسب…بل تلغيها سياسياً وأمنياً، وهذا أخطر من أي تسلل.
والسؤال الأكثر أهمية، أين سيُحتجزون؟ وهنا تبدأ الكارثة المحتملة. السجون العراقية غير مهيأة لهذا العدد، والمناطق الغربية العراقية حسّاسة ديموغرافياً وأمنياً، والجنوب والشرق ربما سيواجه رفضاً شعبياً، والمحاكمات شبه مستحيلة قانونياً.
والنتيجة ماهي: احتجاز طويل الأمد، وضغط دولي، وتهديدات أمنية، واحتمال تسريبات وهروب. أي ما معنى، أنك تزرع بذور أزمة مستدامة داخل البلد.
*لماذا لا تُنقل "داعش" خارج الشرق الأوسط؟*
هذا السؤال يبدو أكثراً منطقياً، علماً أمريكا تمتلك، قواعد في اغلب بلدان العالم، وكذلك سجون عديدة، وإمكانات نقل هائلة، ونفوذاً دبلوماسياً بلا حدود، لكنها لا تريد إخراجهم من المسرح الإقليمي. وهنا الإجابة لأن وجودهم، يخدم معادلة الضغط، ويبرر الوجود العسكري الأمريكي، ليُستخدم كورقة تفاوض، ويخلق تهديداً دائماً.
لان داعش خارج المنطقة يعتبر ملف منتهي، أما داعش داخل المنطقة فهو أداة مستمرة.
*الحل الأمني الواقعي: تفكيك القنبلة قبل انفجارها*
لا بد من إعادة النظر جذرياً في ملف سجناء داعش، خصوصاً، عوائل التنظيم من الأجانب، من النساء والأطفال. والعناصر الذين أنهوا أو شارفت أحكامهم على الانتهاء. والحل الأكثر عقلانية وأمناً يتمثل في: إبرام اتفاقات رسمية مع دولهم الأصلية، لنقلهم إلى سجون بلدانهم وإكمال مدة الأحكام هناك، مع برامج تأهيل ورقابة صارمة.
*لماذا هذا الخيار هو الأفضل؟*
يخفف العبء الأمني والاقتصادي عن العراق، ويمنع تحويل السجون العراقية إلى مراكز تفريخ وإعادة إنتاج داعش، ويحمّل الدول مسؤولية مواطنيها، ويقلل احتمالات الهروب أو الفوضى المستقبلية، ويعالج الملف بمنطق دولي لا ارتجالي.
إرسال تعليق