
|إيـــاد الإمـــارة|
مع التحولات المتسارعة في بنية النظام الدولي، ودخول العالم مرحلة أفول القطب الواحد وصعود التعددية القطبية، يجد العراق نفسه أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف موقعه، ليس فقط في معادلات السياسة الخارجية، بل في بناء سلامه الداخلي على أسس أكثر صلابة وفاعلية ..
إن السلام الداخلي لم يعد مفهوماً سلبياً يُـقاس بغياب الحرب فقط، بل بات منظومة متكاملة قوامها الردع، والتنمية، والعدالة، والرؤية الاستراتيجية العميقة ..
لقد آن الأوان لأن يمتلك العراق عقيدة جديدة للأمن الوطني، عقيدة لا تضعه دائماً في موقع الدفاع وردّ الفعل، بل تنقله إلى موقع المبادرة الواعية، عبر ردعٍ نشطٍ ومدروس للجماعات الإرهابية وكل الجهات التي تحاول المساس بأمن الدولة وسيادتها ..
التجارب السابقة أثبتت أن الأمن الهش، القائم على الانتظار أو المعالجة المؤقتة، يمنح الخصوم هامشاً للمناورة، بينما الردع الفاعل يقلّـص التهديد قبل تحوّله إلى أزمة. غير أن الأمن، مهما بلغت قوته، لا يمكن أن يُـبنى في فراغ .. فلا سلام داخلي مستدام من دون تنمية وطنية شاملة ..
إن تطوير القطاعات الزراعية والصناعية يوفّـر الاستقرار الاقتصادي وفرص العمل، ويجفف منابع الفقر والتهميش التي تتغذى عليها الجماعات الإرهابية .. كما أن النهوض بالقطاع الصحي يعزز الثقة بين المواطن والدولة، فيما يشكّـل التعليم الركيزة الأعمق لبناء وعي وطني حصين، قادر على مواجهة الفكر الإرهابي والخطابات الهدّامة ..إن الربط بين الأمن والتنمية لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية .. فالدولة القوية هي التي توفّـق بين قوة السلاح وقوة المؤسسة، وبين هيبة القانون وعدالة الخدمات .. هذا التكامل هو ما يصنع السلام الداخلي الحقيقي، لا السلام المؤقت الذي يتكئ على توازنات هشة أو تفاهمات عابرة. لا شك أن تحقيق هذا التحول يُـعدّ تحدياً كبيراً أمام القوى السياسية العراقية، في ظل تعقيدات المشهد الداخلي وتراكم الإخفاقات السابقة ..
لكنه في الوقت ذاته، ليس أمراً مستحيلاً ..
حين تتبنى النخب الحاكمة استراتيجية:
«الرؤية العميقة»
في الأداء السياسي والحكومي، رؤية تتجاوز الحسابات الآنية والمصالح الضيقة، وتستشرف مستقبل الدولة لأجيال قادمة، يصبح الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الاستقرار أمراً ممكناً. إن نهاية عهد القطب الواحد لا تعني الفوضى، بل تفتح المجال أمام الدول ذات الإرادة السيادية لصياغة خياراتها بحرية أكبر .. العراق بما يمتلكه من تاريخ وثروات وموقع جيوسياسي، قادر على أن يحوّل هذه اللحظة الدولية إلى نقطة ارتكاز لبناء سلام داخلي قوي: - يحميه أمن رادع .. - وتغذّيه تنمية حقيقية .. - وتسنده رؤية سياسية "عميقة" تؤمن بأن الدولة لا تُدار بردود الأفعال، بل تُبنى بالفعل الواعي والمسؤول.
إرسال تعليق