
*الحقوقية انوار داود الخفاجي*
لا تزال ظاهرة الصدمة السياسية واحدة من أكثر العناوين التي تُثقل المزاج العام في العراق، فالعراقيون يعيشون حالة دائمة من الذهول كلّما أصدرت الحكومة تصريحًا مثيرًا، أو تبنّت موقفًا حاسمًا، ثم سرعان ما تتراجع عنه أو تنكر صدوره من الأساس. هذه الدائرة المربكة التي تتكرر بين فترة وأخرى جعلت المواطن في حالة عدم يقين، وأضعفت الثقة بالقرار الرسمي، وعرّضت السلم المجتمعي لهزّات خطيرة.
في أوقات الأزمات، ينتظر المواطن موقفًا واضحًا، موحّدًا ومسؤولًا من مؤسسات الدولة، لا سيما حين تكون القضايا أمنية أو اقتصادية أو دبلوماسية. لكن ما يحدث في كثير من الأحيان هو العكس تمامًا بيان أول يرفع سقف التوقعات أو يثير القلق، يتبعه بيان آخر ينفي، يعدّل، يبدّل، أو حتى يسخر من التصريحات الأولى باعتبارها غير دقيقة . هذا التخبط لا ينحصر في وزارة دون أخرى، بل أصبح سمة عامّة تطول أجهزة حكومية وقيادات سياسية مختلفة، ما يجعل المواطن يشعر بأن الدولة نفسها تعيش حالة ارتباك وعدم اتفاق داخلي.
أخطر ما في هذه الظاهرة أنّها لا تقتصر على الإحراج السياسي، بل تمتد لتؤثر على السلم المجتمعي والأمن الداخلي. فعندما تُصدر جهة رسمية تصريحًا يتعلّق بوجود تهديد أو ملف فساد ضخم أو تغييرات اقتصادية تمس حياة الناس، فإن المجتمع يتفاعل بردود فعل واسعة خوف، غضب، قلق اقتصادي، ترقب موقف سياسي او استعداد لمواجهة أزمة ما . ثم يأتي الإنكار الرسمي، ليترك الشارع في حيرة هل كانت المعلومة صحيحة وتم التراجع عنها لأسباب سياسية؟ أم كانت إشاعة رسمية؟ أم صراعات داخل السلطة؟
هذا الارتباك المتكرر يخلق ثغرات خطيرة يمكن أن تستغلها أطراف داخلية وخارجية. فالتصريحات المتناقضة تفتح باب التأويلات، وتغذي الشائعات وهكذا يصبح المواطن محاصرًا بين تصريحات رسمية غير مستقرة، وتضخيم إعلامي، وصراعات سياسية لا يعرف حقيقتها، وكلها تؤدي إلى زعزعة الثقة في الخطاب الحكومي.
في الدول المستقرة، التراجع عن قرار حكومي يتم عبر قنوات رسمية واضحة، وبخطاب شفاف يشرح الأسباب والظروف، ويضمن عدم اهتزاز صورة السلطة. أما في العراق، فالتراجع غالبًا يأتي غامضًا، محمّلًا بالتبريرات المتناقضة، أو بإلقاء المسؤولية على سوء الفهم أو تفسير مغلوط ، وكأن المواطن لا يستحق رواية دقيقة أو مكاشفة صريحة.
إن بناء الثقة بين الحكومة والشعب يبدأ من وضوح الخطاب، وثبات المواقف، واحترام عقل المواطن، وتحمّل المسؤولية عن الأخطاء. فالعراقيون ليسوا ضد التراجع عندما يكون في المصلحة العامة، لكنهم يرفضون التخبط غير المبرر الذي يجعلهم في حالة صدمة دائمة. المطلوب اليوم هو إنشاء آليات إعلام حكومي محترف، وتوحيد الخطاب الرسمي، ومحاسبة الجهات التي تسرّب أو تضلّل أو تتلاعب بالرأي العام. ختامًا، إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس العدو الخارجي، بل فقدان ثقة مواطنيها. وإذا لم تعالج الحكومة العراقية هذه الفجوة العميقة في التواصل والقرارات، فإن الصدمة لن تبقى مجرّد شعور، بل ستتحوّل إلى أزمة ثقة مزمنة تضعف الدولة والمجتمع معًا.
إرسال تعليق