
ناجي الغزي/كاتب وباحث سياسي واقتصادي
في 7 أغسطس/آب 2026 وقّعت السعودية وتركيا وباكستان «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، ونصّ الاتفاق على اعتبار الهجوم المسلح على أي دولة من الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً. ووصفت تركيا الاتفاق بأنه قريب من منطق المادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي، مع التأكيد رسمياً على طبيعته الدفاعية وعدم استهدافه دولة بعينها، لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما ورد في بيانات التوقيع، بل بما سيحدث عندما تسقط أول صواريخ على أراضي إحدى الدول الثلاث.
*من اتفاق سياسي إلى اختبار عسكري*
من السهل أن تقول الدول الثلاث إن أمنها واحد، لكن ماذا يعني ذلك عملياً إذا تعرضت السعودية لهجوم صاروخي إيراني؟ هل ترسل تركيا مقاتلات للدفاع عن المجال الجوي السعودي؟ وهل ترسل باكستان قوات أو منظومات دفاع جوي؟ أم يقتصر الرد على المعلومات الاستخبارية والدعم اللوجستي والدبلوماسي؟
وماذا لو كان الهجوم من الحوثيين؟ أو من جماعة مسلحة تنطلق من الأراضي العراقية؟
هنا تظهر المسافة بين الدفاع عن دولة عضو وبين الدخول في حرب شاملة مع الجهة التي نفذت الهجوم. فالالتزام المشترك لا يعني بالضرورة أن أنقرة وإسلام آباد ستدخلان حرباً مفتوحة، وإنما يمكن أن تتدرج الاستجابة من الدفاع الجوي وحماية المنشآت وتبادل المعلومات إلى الدعم البحري واللوجستي، وصولاً إذا اقتضت الظروف، إلى التدخل العسكري المباشر.
لذلك فإن عبارة "الهجوم على واحد هو هجوم على الجميع" تحتاج إلى ترجمة عملياتية وقانونية دقيقة، وستكون قواعد الاشتباك وآليات اتخاذ القرار أهم من العبارة السياسية ذاتها.
*المعضلة الأصعب: عندما تتعارض مصالح الحلفاء*
لنفترض أن مواجهة جديدة اندلعت بين باكستان والهند. هل تدخل السعودية وتركيا الحرب إلى جانب إسلام آباد؟ هذا السؤال يكشف جوهر التحدي. فالسعودية ترتبط بعلاقات استراتيجية واقتصادية مهمة مع الهند، كما أن تركيا لا تريد بالضرورة أن يتحول الاتفاق إلى التزام تلقائي بالدخول في كل نزاع تخوضه دولة عضو.
لذلك لا يمكن فهم التحالف بمنطق "ثلاث دول يساوي جيش واحد"، بل باعتباره محاولة لبناء مظلة ردع جماعية تجعل مهاجمة أي دولة أكثر كلفة على الخصم. وهنا يكمن جوهر الردع، التحالف الناجح ليس الذي يخوض أكبر عدد من الحروب، وإنما الذي يجعل الحرب أقل احتمالاً.
*ثلاث قوى بقدرات متكاملة*
تمتلك تركيا قوة عسكرية كبيرة، وخبرة عملياتية، وصناعة دفاعية متقدمة في الطائرات المسيرة والصواريخ والسفن والذخائر والأنظمة الإلكترونية، فضلاً عن موقعها الجغرافي وعضويتها في حلف شمال الأطلسي.
أما السعودية، فتقدم القوة المالية والطاقة والموقع الاستراتيجي، إضافة إلى إنفاق عسكري كبير وقدرة متنامية على بناء صناعة دفاعية محلية. ومن ثم فإن حماية السعودية لا تعني حماية حدودها فقط، وإنما حماية منشآت الطاقة والموانئ وممرات التجارة في الخليج والبحر الأحمر.
أما باكستان، فتضيف إلى المعادلة قوة عسكرية كبيرة وخبرة طويلة في الصراعات، والأهم امتلاكها قدرة نووية تقدرها المصادر المتخصصة بنحو 170 رأساً نووياً. وهكذا تتشكل معادلة مختلفة نسبياً، السعودية: المال والطاقة والموقع. تركيا: التكنولوجيا والقوة العسكرية والخبرة العملياتية. باكستان: القوة البشرية والخبرة العسكرية والردع النووي. وبالتالي، فإن قيمة التحالف لا تكمن فقط في جمع الجيوش، وإنما في دمج نقاط القوة المختلفة.
*هل هو تحالف ضد إيران؟*
رسمياً، تؤكد الدول الثلاث أن الاتفاق دفاعي وليس موجهاً ضد دولة بعينها. لكن الاستراتيجية لا تُقرأ دائماً من البيانات الرسمية. فتركيا وإيران دولتان متجاورتان، والسعودية وإيران تتنافسان على النفوذ الإقليمي، بينما تشترك باكستان مع إيران في حدود طويلة. ولذلك فإن تشكيل منظومة دفاعية تضم هذه الدول سيؤثر حتماً في الحسابات الإيرانية.
لكن الردع لا يعني الحرب. فالرسالة الأهم إلى طهران قد تكون أن مهاجمة السعودية لم تعد مواجهة ثنائية مع الرياض، وإنما يمكن أن تفتح الباب أمام استجابة أوسع. وهذه الرسالة وحدها قد تكون كافية لتغيير حسابات المخاطر.
*وماذا عن إسرائيل؟*
ستقرأ إسرائيل الاتفاق من زاوية مختلفة أيضاً. فوجود تركيا وباكستان والسعودية في منظومة أمنية واحدة يضيف تعقيداً جديداً إلى توازنات المنطقة، خصوصاً أن باكستان لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. لذلك فإن السؤال الأهم ليس فقط: هل التحالف موجه ضد إسرائيل؟
بل: هل يمكن أن يتحول مستقبلاً إلى مركز قرار أمني إقليمي مستقل عن الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية؟ وهذا هو البعد الاستراتيجي الأعمق للاتفاق.
*الاختبار العراقي واليمني*
قد لا يأتي الاختبار الأكبر للتحالف من حرب مباشرة بين دولتين، وإنما من هجوم تنفذه جماعة مسلحة. فإذا تعرضت السعودية لهجوم من جماعة موجودة في العراق، هل ستعتبر تركيا وباكستان ذلك هجوماً يستوجب تدخلاً عسكرياً؟ وهل يمكن أن تتحول عملية دفاع عن السعودية إلى مواجهة داخل الأراضي العراقية؟
والأمر ذاته ينطبق على اليمن. فالدفاع عن المدن والمنشآت السعودية شيء، وشن حرب واسعة داخل اليمن شيء آخر. ولهذا فإن تحديد مفهوم "الهجوم المسلح" وآليات الاستجابة سيكون أكثر أهمية من عنوان الاتفاق.
*هل تستبدل السعودية المظلة الأمريكية؟*
ليس في المدى المنظور. فالتحالف الجديد لا يستطيع أن يحل محل الولايات المتحدة بما تمتلكه من قواعد وقدرات استخبارية وأقمار صناعية وقوة جوية وبحرية وشبكات دفاع صاروخي وقدرة على الانتشار السريع. لكن ربما لا يكون هذا هو الهدف أصلاً.
الأرجح أن السعودية تسعى إلى تقليل الاعتماد على طرف واحد، وليس إلى مغادرة المظلة الأمريكية بالكامل. فالرياض تريد أن تتحول من الاعتماد على ضمان أمني واحد إلى امتلاك خيارات متعددة، وهنا تكمن أهمية "تحالف مكة".
فإذا تطور من اتفاق سياسي إلى منظومة دفاع جوي واستخباري وصناعي وعسكري متكاملة، فقد يصبح نواة لنظام أمني إقليمي جديد. أما إذا بقي مجرد إعلان سياسي، فسوف يتراجع تأثيره عند أول اختبار حقيقي. لذلك فإن السؤال الحاسم ليس: لماذا اجتمعت السعودية وتركيا وباكستان؟
بل: ماذا سيفعل الجميع عندما تتعرض إحدى هذه الدول فعلاً للهجوم؟
هناك، وليس في بيانات التوقيع، سيتحدد مستقبل هذا التحالف ووزنه الحقيقي في إعادة تشكيل أمن الشرق الأوسط.
*هل تنضم مصر للتحالف؟*
يبقى احتمال انضمام مصر إلى هذا الترتيب من أكثر الملفات حساسية. فإذا تحقق، فلن تكون القاهرة مجرد عضو رابع، بل ستضيف ثقلاً عسكرياً وسكانياً وسياسياً عربياً كبيراً، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي في قناة السويس والبحر الأحمر والمتوسط، ما قد يحول التحالف إلى نواة لنظام أمني إقليمي أوسع.
لكن القاهرة ستدرس الأمر بحذر، لأن الالتزام بالدفاع الجماعي يعني احتمال الدخول في أزمات وحروب لا تكون مصر طرفاً مباشراً فيها. ولذلك ستوازن بين مكاسب العمق الاستراتيجي والردع من جهة، والحفاظ على استقلالية قرارها وهامش حركتها الإقليمي من جهة أخرى. فانضمام مصر، إن حدث، سيكون تحولاً استراتيجياً يتجاوز توسيع التحالف إلى إعادة رسم خريطة الأمن الإقليمي.
إرسال تعليق