
ناجي الغزي/كاتب وباحث سياسي واقتصادي
لا يمكن التعامل مع المقال الذي نشره رئيس الوزراء علي فالح الزيدي في صحيفة واشنطن بوست بوصفه مجرد مقال رأي أو رسالة إعلامية موجهة للرأي العام الأميركي، بل يمكن اعتباره وثيقة سياسية واستراتيجية صيغت بعناية لتسبق زيارته إلى واشنطن، وتحدد الإطار الفكري والسياسي الذي يريد أن تُقرأ من خلاله العلاقة العراقية الأميركية في المرحلة المقبلة.
فاللافت أن المقال لم يركز على الملفات الأمنية التقليدية أو طلب الدعم العسكري، وإنما أعاد تعريف موقع العراق في معادلة الشرق الأوسط باعتباره دولة تسعى إلى الانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة التنمية، ومن منطق الجغرافيا الأمنية إلى منطق الجغرافيا الاقتصادية.
*أولاً: إعادة تعريف وظيفة الدولة العراقية*
افتتح رئيس الوزراء مقاله بالحديث عن "اللحظة المفصلية" التي يعيشها العراق، وهي عبارة ليست إنشائية بقدر ما تعكس رؤية تعتبر أن العراق يقف أمام فرصة لإعادة تأسيس الدولة بعد عقدين من الأزمات. ويظهر ذلك من خلال ترتيب الأولويات التي طرحها الرئيس منها: احتكار الدولة للسلاح، وسيادة القانون، والخدمات، والاستثمار، والاقتصاد، والاندماج الدولي.
وهذا الترتيب يحمل دلالة مهمة، إذ إنه يعكس انتقال مفهوم الشرعية من الشرعية السياسية وحدها إلى شرعية الإنجاز وبناء الدولة. بمعنى آخر، فإن الحكومة تريد أن تُقاس بقدرتها على إنتاج دولة مستقرة، لا بمجرد إدارة التوازنات السياسية.
*ثانياً: رسالة مباشرة إلى واشنطن*
المقال كُتب باللغة التي تريد الإدارة الأميركية سماعها، فهو يتحدث عن: الاستثمار، والقطاع الخاص، والبنية التحتية، والتكنولوجيا، والاقتصاد الرقمي، وبيئة الأعمال، والشراكات.
ولم يستخدم لغة المطالب التقليدية المتعلقة بالمساعدات أو الدعم المالي. وهذا يعني أن بغداد تحاول تقديم نفسها أمام إدارة الرئيس دونالد ترامب باعتبارها *فرصة استثمارية* وليست عبئاً استراتيجياً. وهنا يظهر تحول مهم في الخطاب العراقي، إذ لم يعد العراق يطلب الحماية، بل يسعى إلى بناء شراكة تقوم على المصالح الاقتصادية المتبادلة.
*ثالثاً: ربط إنهاء مهمة التحالف بإطلاق شراكة جديدة*
من أهم الرسائل السياسية في المقال قوله إن انتهاء مهمة قوات التحالف في 30 أيلول يجب أن يكون بداية مرحلة جديدة. وهذه العبارة تحمل أكثر من معنى:
1. طمأنة الداخل العراقي بأن الوجود العسكري الأجنبي ينتهي.
2. طمأنة الولايات المتحدة بأن الانسحاب العسكري لا يعني نهاية العلاقة.
3. نقل العلاقة من المجال العسكري إلى المجال الاقتصادي والتكنولوجي.
أي أن الحكومة تريد تحويل العلاقة العراقية الأميركية من: تحالف أمني إلى شراكة استراتيجية شاملة. وهذا يمثل إعادة صياغة لاتفاقية الإطار الاستراتيجي بما يتناسب مع المتغيرات الإقليمية.
*رابعاً: احتكار السلاح... الرسالة الأكثر حساسية*
عندما يؤكد رئيس الوزراء أن حكومته أحرزت تقدماً خلال أقل من ستين يوماً في نزع سلاح الجماعات المسلحة وفتح باب دمجها في مؤسسات الدولة، فهو لا يخاطب الداخل العراقي فقط.
بل يوجه رسائل متعددة إلى واشنطن، والمستثمرين، والمؤسسات المالية الدولية، والأسواق العالمية. فلا يمكن جذب الاستثمار في دولة لا تحتكر استخدام القوة. وبالتالي فإن ملف السلاح لم يُطرح بوصفه قضية أمنية فقط، بل باعتباره *شرطاً اقتصادياً لجذب رؤوس الأموال*. وهذا يمثل تغييراً في فلسفة إدارة هذا الملف.
*خامساً: العراق كدولة وسط لا كساحة صراع*
من أهم ما ورد في المقال تأكيد أن العراق يقف على مسافة واحدة من جميع الاصطفافات الإقليمية. وهذا يعكس محاولة لتكريس نموذج جديد للسياسة الخارجية يقوم على: الحياد الإيجابي، والتوازن السياسي، والدبلوماسية الاقتصادية، الشراكات المتعددة. وهو نموذج قريب من تجارب دول نجحت في تحويل موقعها الجغرافي إلى مركز للتعاون بدلاً من الصراع.
*سادساً: الاقتصاد أصبح لغة السياسة الخارجية*
ربما تكون أهم نقطة في المقال هي أن رئيس الوزراء لم يجعل الأمن محور السياسة الخارجية، بل جعل الاقتصاد هو المدخل الرئيسي، ولهذا ركز على: الطاقة، والتكنولوجيا، والاقتصاد الرقمي، والبنية التحتية، والصناعة، والاستثمار الأميركي. وهذا يشير إلى أن الحكومة تريد إعادة تعريف مفهوم الأمن الوطني بحيث يصبح الاقتصاد أحد أعمدته الأساسية.
*سابعاً: رسالة إلى الأسواق العالمية*
حين يؤكد أن خبرته في قطاع الأعمال علمته أن الاستقرار ووضوح الرؤية يجذبان الاستثمار، فإنه لا يخاطب السياسيين فقط، بل يخاطب: الشركات متعددة الجنسيات، والبنوك، وصناديق الاستثمار، ووكالات التصنيف الائتماني. أي أن المقال يمثل أيضاً رسالة اقتصادية للأسواق العالمية.
*ثامناً: إعادة تموضع العراق في النظام الدولي*
كما يكشف المقال عن محاولة واضحة لإعادة تموضع العراق ضمن النظام الدولي الجديد.
فالعراق لم يعد يريد أن يُعرَّف باعتباره: ساحة حرب، أو ملفاً أمنياً، أو نقطة صراع إقليمي.
بل يريد أن يُعرف باعتباره: مركزاً اقتصادياً، وعقدة للطاقة، وسوقاً استثمارية، وشريكاً إقليمياً للاستقرار. وهذا تحول في الهوية الاستراتيجية للدولة العراقية.
*تاسعاً: ما الذي سيبحثه مع الرئيس ترامب؟*
يمكن استنتاج أجندة الزيارة من مضمون المقال، وتشمل على الأرجح: تطوير اتفاقية الإطار الاستراتيجي، وجذب الشركات الأميركية الكبرى، ومشاريع الطاقة والكهرباء، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والأمن بعد انتهاء مهمة التحالف، والتدريب العسكري ونقل التكنولوجيا، والتعاون المالي والمصرفي، وتسهيل الاستثمارات الأميركية، والاندماج في الاقتصاد العالمي، وتثبيت دور العراق في استقرار المنطقة.
*عاشراً: التحديات التي ستواجه هذه الرؤية*
رغم وضوح الطموح، فإن نجاح هذه الرؤية يعتمد على معالجة عدد من التحديات الجوهرية، أبرزها: ترسيخ احتكار الدولة للسلاح بصورة مستدامة، وتسريع الإصلاح الإداري والقضائي لمكافحة البيروقراطية والفساد، وتوفير بيئة قانونية وتنظيمية مستقرة تحمي المستثمرين، وتحقيق توافق سياسي داخلي يدعم التحول نحو الاقتصاد والاستثمار، والحفاظ على سياسة التوازن الإقليمي دون الانزلاق إلى محاور متنافسة.
إذا جرى تنفيذ هذه الرؤية عملياً، فإنها قد تمثل انتقالاً في وظيفة الدولة العراقية من دولة لإدارة الأزمات إلى دولة لصناعة الفرص، ومن اقتصاد يعتمد بصورة شبه كاملة على الريع النفطي إلى اقتصاد يسعى إلى تنويع مصادر النمو وجذب الاستثمارات.
لكن نجاح هذا التحول لن يُقاس بجودة الخطاب أو رمزية الزيارة، بل بقدرة الحكومة على ترجمة ما طرحه رئيس الوزراء إلى سياسات قابلة للتنفيذ، وإصلاحات مؤسسية، ومشروعات استثمارية ملموسة. فإذا تحقق ذلك، قد يكون المقال بداية لإعادة تعريف موقع العراق في الإقليم والنظام الدولي، أما إذا بقي في حدود الرسائل السياسية، فسيظل تعبيراً عن طموح مشروع لم يكتمل بعد.
كما يمكن النظر إلى رؤية المقال باعتباره *إعلاناً عن عقيدة سياسية جديدة للحكومة*، قوامها أن السيادة تُصان ببناء مؤسسات قوية، والاستقرار يُرسَّخ بالتنمية، والشراكات الدولية تُبنى على المصالح الاقتصادية المتبادلة لا على إدارة الأزمات الأمنية فقط. وهذه المقاربة، إذا اقترنت بإرادة تنفيذية وإصلاحات متواصلة، قد تفتح أمام العراق نافذة تاريخية للانتقال من دولة استهلكتها الصراعات إلى دولة تسعى إلى توظيف موقعها ومواردها في إنتاج الاستقرار والازدهار.
إرسال تعليق